الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
42
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عن منشإ هذا التشابه . وضمير تَواصَوْا عائد إلى ما سبق من الموصول ومن الضمير الذي أضيف إليه قبلهم ، أي أوصى بعضهم بعضا حتى بلغت الوصية إلى القوم الحاضرين . وضمير بِهِ عائد على المصدر المأخوذ من فعل إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [ الذاريات : 52 ] ، أي أتواصوا بهذا القول . وفعل الوصية يتعدى إلى الموصى عليه بالباء كقوله تعالى : وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ [ العصر : 3 ] . و بَلْ إضراب عن مفاد الاستفهام من التشبيه أو عن التواصي به ، ببيان سبب التواطؤ على هذا القول فإنه إذا ظهر السبب بطل العجب . أي ما هو بتواص ولكنه تماثل في منشإ ذلك القول ، أي سبب تماثل المقالة تماثل التفكير والدواعي للمقالة ، إذ جميعهم قوم طاغون ، وأن طغيانهم وكبرياءهم يصدهم عن اتباع رسول يحسبون أنفسهم أعظم منه ، وإذ لا يجدون وصمة يصمونه بها اختلقوا لتنقيصه عللا لا تدخل تحت الضبط وهي ادعاء أنه مجنون أو أنه ساحر ، فاستووا في ذلك بعلة استوائهم في أسبابه ومعاذيره . فضمير هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ عائد إلى ما عاد إليه ضمير أَ تَواصَوْا . وفي إقحام كلمة قَوْمٌ إيذان بأن الطغيان راسخ في نفوسهم بحيث يكون من مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله تعالى : لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ في سورة البقرة [ 164 ] . [ 54 ، 55 ] [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 54 إلى 55 ] فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 ) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 ) تفريع على قوله : كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلى قوله : بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ [ الذاريات : 52 ، 53 ] لمشعر بأنهم بعداء عن أن تقنعهم الآيات والنذر فتولّ عنهم ، أي أعرض عن الإلحاح في جدالهم ، فقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم شديد الحرص على إيمانهم ويغتمّ من أجل عنادهم في كفرهم فكان اللّه يعاود تسليته الفينة بعد الفينة كما قال : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 3 ] فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [ الكهف : 6 ] وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا